مجد الدين ابن الأثير
352
المختار من مناقب الأخيار
أحبّ أن تراه ، بينا أنا قاعد في نحر الظهيرة « 1 » إذا أنا برجل يسلّم بالباب ، فكأنّ قلبي ارتاح ، فقمت ففتحت الباب ، فإذا أنا برجل عليه فروة ، وعلى أمّ رأسه خرقة ، ما تحت فروته قميص ، ولا معه ركوة ، ولا جراب ولا عكّازة ، قد لوّحته الشمس فقلت : ادخل . فدخل الدّهليز ، فقلت : من أين أقبلت ؟ قال : من ناحية المشرق ، أريد بعض السّواحل ، ولولا مكانك ما دخلت هذا البلد ، إلّا أنّي نويت السّلام عليك . قال : قلت : على هذه الحالة ؟ قال : نعم ، ما الزّهد في الدّنيا ؟ قلت : قصر الأمل . قال : وجعلت أعجب منه ، فقلت في نفسي : ما عندي ذهب ولا فضّة ، فدخلت البيت فأخذت أربعة أرغفة ، فخرجت إليه ، فقلت : ما عندي ذهب ولا فضّة ، وإنما هذا من قوتي . قال : ويسرّك أن أقبل ذلك يا أبا عبد اللّه ؟ قلت : نعم . قال : فأخذها فوضعها تحت حضنه . قال : أرجو أن يكفيني ، هذه زادي إلى الرّقّة ، أستودعك اللّه . فلم أزل قائما انظر إليه إلى « 2 » أن خرج . وكان يذكره كثيرا « 3 » . رحمة اللّه عليه رضوانه . * * * وقال أحمد بن عليّ الإخميمي « 4 » : كنّا ذات يوم عند ذي النّون ، وقد ذكر كرامات اللّه عزّ وجلّ لأوليائه . فقال بعض من حضره : أنت رأيت منهم أحدا يا أبا الفيض ؟ فقال ذو النّون : كان عندي فتى من أهل خراسان أعجمي
--> ( 1 ) نحر الظهيرة : حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع . ( 2 ) في ( ب ) : « حتى » . ( 3 ) صفة الصفوة 4 / 175 . ( 4 ) الإخميمي : نسبة إلى إخميم ، وهي بلدة من ديار مصر من الصعيد على طريق الحاج . الأنساب 1 / 155 .